أبو نصر الفارابي

78

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

مقام ما يتحلل ، ولا يمكن أن يخلف شيء بدل ما يتحلل من جسمه ويتصل بذلك الجسم ، إلا فيخلع عن ذلك الجسم صورته التي كانت له ، ويكتسي صورة هذا الجسم بعينه ، وذلك هو أن يتغذى ، حيث جعلت في هذه الأجسام قوة غاذية وكل ما كان معينا لهذه القوة ، حتى صار كل جسم من هذه الأجسام يجتذب إلى نفسه شيئا ما مضادا له ، فينسلخ عنه تلك الضدية ، ويقبله بذاته ، ويكسوه الصورة التي هو ملتحف بها ، إلى أن تخور هذه القوة في طول المدة ، فيتحلل من ذلك الجسم ما لم يمكن القوة الخائرة أن ترد مثله ، فيتلف ذلك الجسم فيه ؛ فبهذا الوجه حفظ من محلله الداخل . وأما من متلفه الخارج ، فإنه حفظ بالآلات التي جعلت له ، بعضها فيه وبعضها من خارج جسمه « 1 » . فيحتاج ، في دوام ما يدوم واحدا بالنوع ، إلى أن يقوم مقام ما تلف منه أشخاص أخر تقوم مقام ما تلف منها . ويكون ذلك : إما أن يكون مع الأشخاص الأول أشخاص أحدث وجودا منها ، حتى إذا تلف تلك الأول قامت هذه مقامها ، حتى لا يخلو في كل وقت من الأوقات وجود شخص ما من ذلك النوع ، إما في ذلك المكان أو في مكان آخر ، وإما أن يكون الذي يخلف الأول يحدث بعد زمان ما من تلف الأول حتى يخلو زمان ما من غير أن يوجد فيه شيء من أشخاص ذلك النوع . فجعل في بعضها قوى يكون بها شبيهه في النوع ، ولم تجعل في بعض . وما لم يجعل فيها فان أشباه ما يتلف منه تكونه

--> ( 1 ) النبات والحيوان يتحللان بأشياء متضادة من الداخل .